الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 25.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي

أطلال المجد  والتغيير الميت عند العرب

 

 خاض الغرب عمومًا، وأوروبا على وجه الخصوص حروبًا وثورات ضارية ضد جبروت الكنسية وسيطرتها، فرفع راية التنوير وحرية الفكر والاعتقاد وسطر تاريخًا فصل بين الاستبداد، والديمقراطية الحديثة التي حررت العقل الغربي في كل المجالات وأصبح رائدًا للنهضة العلمية، والتطور والتغيير الإيجابي فازدهر البحث العلمي، وتحرر بدوره من قيود الماضي وقدسية تعاليم الكهنوت حتى تطور و بلغ طفرة لم يشهدها عصر آخر غير عصرنا الحالي ما سمي بعصر العولمة. بينما نهج العرب نهجًا مخالفًا بعد تحررهم من قبضة الاستعمار التقليدي.

لقد فقه الغرب أن المجد والحضارة، والتطور يبنى بالعلم وتبجيل الكفاءات وتشجيع الإبداع دون التوقف عند جنسية معينة أو ماض، ببساطة تمكنوا من تجسيد معادلة غابت كثيرا لدى العرب وهي تقديم الفرد الكفء في المكان الذي يستحقه، فألغت أوروبا الحدود، وحررت العقول، وتوحدت، في المقابل تشرذم العرب وضاعوا، وتناحروا فيما بينهم وتخلفوا عن ركب الأمم الغربية، ولم يشفع لهم انتماؤهم إلى الدين الإسلامي، الذي ركزت الكثير من تعاليمه على العلم، والعمل والتنظيم والشورى ونبذ الفساد والظلم بل أصبحت الشعوب العربية تبكي على أطلال وأمجاد الماضي التي صنعها الرعيل الأول من حضارة المسلمين، والمؤسف أكثر أننا اليوم بوصفنا عربًا ندعي التحرر من الاستعمار ولكن الحقيقة عكس ما نفقه  ونورثه للأجيال القادمة، فكم هي مقدسة أعيادنا الوطنية التي نحتفي بها كل عام ونجتهد في زرع قيم المواطنة لكننا عجزنا أن نزرع قيم التحرر من التبعية الغربية فكريًا وعمليًا وسياسيًا واقتصاديًا وقياديًا.

إن أغلب الدول العربية ما زالت لليوم تحكمها ثلة تتصارع على السلطة تاركة شعوبها تلهث وراء لقمة العيش، فهجرت الإبداع، ولم تعد قادرة على التغيير الإيجابي الذي ينطلق من ذات كل فرد بل الكثير فقد الإيمان بسنة من سنن الخالق في كونه "إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

لهذا يعد التحدث عن التطور والتغيير لدى العرب فكرة وهمية طغت على عقول العرب منذ أمد طويل وظلت منحصرة في بوتقة واحدة لا تتغير هي أن اقتناء أحدث الوسائل التكنولوجية الغربية جوهر حقيقة التقدم والتمدن الحضاري وتبقى الإشكالية التي تفرض نفسها كلما حاولنا التعمق في أسباب هذا الطرح البعيد عن آمال الشعوب العربية هي:

هل أزمتنا تنحصر في غياب حرية الفكر العربي؟ أم أنها أزمة تبعية غربية؟

ترتبط حرية الفكر العربي بمدى تحرره من قيود المجتمع السلبية ومن كل الأغلال المفروضة عليه هذا من جهة، ومن جهة أخرى بمدى ترشيد إدارة الموارد المالية والبشرية وإعادة بعث سياسات واستراتيجيات جديدة من شأنها دفع الفكر صوب الإبداع والتغيير الإيجابي في كل المجالات والقطاعات، وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وهي أبرز ما تفتقده الدول العربية بسبب غياب الديمقراطية التشاركية مما أفرز تبعية غربية مقيتة وصل حدها إلى عولمة القيم الغربية اقتصاديا وثقافيا وفكريا بما تمليه مصالح الغرب في الدول العربية، والتي كثيرا ماتؤثر سلبا عليها وليس إيجابا.

لهذا أضحت الشعوب العربية منها ماهو مغلوب على أمرها وأخرى أصابها اليأس وأخرى أنهكتها العرقية، والعصبية التي مدت جسرا للجاهلية الأولى ومنحت صكوكا للتدخل الأجنبي من قبل الدول الكبرى، التي لطالما سال لعابها أمام ما حبى به الله المنطقة العربية من موارد طبيعية جعلتها محط التنافس والتصارع على امتلاكها بكل الطرق مما زاد من وضع العرب البئيس.

يفخر البعض عندنا اليوم ويضرب الأمثال في تطور العرب، فيتشدق في إحصاء ناطحات السحاب وصحارى تحولت إلى مدن عالمية وسباق نحو تحسين مختلف الخدمات الاجتماعية، ونسي هؤلاء أن النمو والتطور لا يعبر عنهما بهياكل تهندسها وتنفذها أيادي وعقول الغرب بأموال ريع النفط، وإنما التطور هو عقول تنتج فتصدر وتستثمر وتبدع وتقود وتستشرف للمستقبل البعيد.

فعن أي تغيير حي نتحدث عنه في دولنا العربية، وقد أجهضت أنظمتها الشمولية وعجز شعوبها عن احترام ثقافة الاختلاف واحترام حق الآخر في الحياة، والحرية الفكرية كل مواليد التغيير حتى إشعار آخر. والأمثلة كثيرة فأين عراق ويمن وليبيا وسوريا وسودان الأمس؟ أين مصر الحضارة ووحدة العرب؟

كفانا بكاء على أمجاد خير أمة أخرجت للناس، فقد حان زمن الانبعاث لأمة جديدة تبني مجدها، وتستفيد من دروس الماضي وتسير نحو الرقي  والانعتاق من ربقة التخلف الفكري والعلمي الذي خيم على العرب وناء بكلله على صدور قادتهم لقرون طويلة.

---------------------------

*كاتبة جزائرية حاصلة على ماجستير في الإدارة الدولية

[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:16
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.8°C
توقعات الساعات القادمة
25.8°C
25.0°C
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,000ج.م
عيار 21
6,125ج.م
عيار 18
5,250ج.م
الجنيه الذهب
49,000ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...